​  

 

يُروى أن رجلاً من بني أمية كان يقيم في دمشق، وكان من أصحاب المال والجاه والنعمة، حتى خشي بعض الناس من نفوذه ومكانته، فرفعوا أمره إلى الخليفة هارون الرشيد، وكان يومئذٍ في الكوفة.

فاستدعى الرشيد خادمه منارة وقال له:

اركب الساعة إلى دمشق، وخذ معك مائة غلام، وائتني بفلان الأموي، وهذا كتابي إلى العامل هناك، ولا توصله إليه إلا إذا امتنع عليك.

ثم أمره أن يلازم الرجل في ذهابه وإقامته ورجوعه، وأن يراقب أحواله وأقواله وما يصدر عنه من تصرفات.

قال منارة: فهمت الأمر، وخرجت مسرعاً إلى دمشق.

وصلت دمشق بعد سبع ليالٍ من السفر، وقصدت دار الأموي، فإذا هي دار عظيمة فخمة، تعج بالخدم والحشم والنعمة الظاهرة والهيبة والجاه.

ولما دخلت الدار وسألوني عن أمري، أخبرتهم أني رسول أمير المؤمنين.

إنه في الحمام.

فأكرموني وأجلسوني، وأمروا من كان معي بمكان يليق بهم، وأخذت أتأمل ما رأيت من سعة العيش وحسن الحال.

ثم خرج الرجل من الحمام، وحوله جمع كبير من الكهول والشباب والغلمان، فلما رآني سلّم وسأل عن أمير المؤمنين، فأخبرته أنه بخير.

فقدّموا الطعام والفاكهة، وقال لي:

تفضل يا منارة.

لكنني لم آكل، فقد كنت مشغول الفكر بما أراه من النعمة والثراء.

ثم حضرت الصلاة، فقام الرجل فتوضأ وأطال الركوع والسجود، حتى رأيت منه خشوعاً وعبادة لم أكن أتوقعها ممن يعيش في تلك النعمة.

فلما فرغ من صلاته، قال لي:

هات ما جئت به يا منارة.

فناولته كتاب أمير المؤمنين، فأخذه وقبّله ووضعه على رأسه، ثم فتحه وقرأه.

فلما انتهى من قراءته استدعى أبناءه وأهله وخاصته وغلمانه، وامتلأت الدار بالناس.

وظن الجميع أن أمراً عظيماً قد نزل.

الطلاق يلزمه، والحج والصدقة والعتق وسائر أيمان البيعة، ألا يجتمع منكم اثنان في مكان واحد حتى ينكشف أمري.

ثم أوصاهم بالتفرق، واستعد للرحلة نحو الكوفة.

وفي الطريق دار بينه وبين منارة حديث طويل كشف عن قوة يقينه بالله وثقته بربه.

إنه لا يضر ولا ينفع إلا بمشيئة الله تعالى، فإن كان قد قُضي عليّ بأمر فلا حيلة لي في دفعه، وإن لم يُقدَّر عليّ شيء، فلو اجتمع أمير المؤمنين وسائر أهل الأرض على أن يضروني، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً إلا بإذن الله.

ثم أعرض عن الحديث وأقبل على تلاوة القرآن.

وعندما وصل إلى الكوفة، نقل منارة كل ما رآه إلى هارون الرشيد، فأخذ الخليفة يتحرى خبره ويسأل عنه من عرفه.

وكلما سأل أحداً وجد الثناء عليه والصلاح وحسن السيرة، حتى عرف أن ما نُقل إليه عنه لم يكن إلا كذباً وبهتاناً.

فأمر بإدخاله عليه، فلما رآه فك قيوده وأجلسه إلى جواره وأكرمه.

سل حاجتك.

فقال الرجل:

حاجتي سرعة الرجوع إلى بلدي، وجمع شملي بأهلي وولدي.

فأمر الرشيد بإعادته مكرماً إلى بلده، ثم قال كلمته التي خلدتها الروايات:

فانظر حسن توكله على خالقه، فإنه من توكل عليه كفاه، ومن دعاه لباه، ومن سأله أعطاه ما تمناه.

إعداد للنشر: موقع القبائل

  ​