**مقدمة:**
في يوم من الأيام، سأل الحجاج بن يوسف الثقفي الغضبان بن القبعثري عن عدة مسائل ليمتحنه فيها، فكان الحوار التالي:
---
### **الأسئلة والأجوبة بين الحجاج والغضبان:**
1. **سؤال الحجاج:** من أكرم الناس؟
**جواب الغضبان:** أفقههم في الدين، أصدقهم لليمين، وأبذلهم للمسلمين، وأكرمهم للمهانين، وأطعمهم للمساكين.
2. **سؤال الحجاج:** فمن ألأم الناس؟
**جواب الغضبان:** المعطى على الهوان، والمقتر على الإخوان، الكثير الألوان.
3. **سؤال الحجاج:** فمن شر الناس؟
**جواب الغضبان:** أطولهم جفوة، وأدومهم صبوة، وأكثرهم خلوة، وأشدهم قسوة.
4. **سؤال الحجاج:** فمن أشجع الناس؟
**جواب الغضبان:** أضربهم بالسيف، وأقراهم للضيف، وأتركهم للحيف.
5. **سؤال الحجاج:** فمن أجبن الناس؟
**جواب الغضبان:** المتأخر عن الصفوف، المنقبض عن الزخوف، المرتعش عند الوقوف، المحب ظلال السقوف، الكاره لضرب السيوف.
6. **سؤال الحجاج:** فمن أثقل الناس؟
**جواب الغضبان:** المتفنن في الملام، الضنين بالسلام، المهذار في الكلام، المقبقب على الطعام.
7. **سؤال الحجاج:** فمن خير الناس؟
**جواب الغضبان:** أكثرهم إحساناً، وأقومهم ميزاناً، وأدومهم غفراناً، وأوسهم ميداناً.
---
### **حوار حول معرفة الرجل الحسيب:**
- **سؤال الحجاج:** كيف يعرف الرجل الغريب؛ أحسيب هو أم غير حسيب؟
**جواب الغضبان:** الرجل الحسيب يدلك أدبه وعقله، وشمائله وعزة نفسه، وكثرة احتماله، وبشاشته، وحسن مداراته على أصله. فالعاقل البصير بالأحساب يعرف شمائله، والنذل الجاهل يجهله. مثله كمثل الدرة، إذا وقعت عند من لا يعرفها ازدراها، وإذا نظر إليها العقلاء عرفوها وأكرموها، فهي عندهم لمعرفتهم بها حسنة نفيسة.
---
### **أسئلة أخرى:**
1. **سؤال الحجاج:** من العاقل؟ ومن الجاهل؟
**جواب الغضبان:** العاقل الذي لا يتكلم هذراً، ولا ينظر شزراً، ولا يضمر غدراً، ولا يطلب عذراً. والجاهل هو المهذار في كلامه، المنّان بطعامه، الضنين بسلامه، المتطاول على إمامه، الفاحش على غلامه.
2. **سؤال الحجاج:** من الحازم الكيّس؟
**جواب الغضبان:** المقبل على شأنه، التارك لما لا يعنيه.
3. **سؤال الحجاج:** من العاجز؟
**جواب الغضبان:** المعجب بآرائه، الملتفت إلى ورائه.
---
### **حوار حول النساء:**
- **سؤال الحجاج:** هل عندك من النساء خبر؟
**جواب الغضبان:** إني بشأنهن خبير. إن النساء من أمهات الأولاد بمنزلة الأضلاع؛ إن عدلتها انكسرت، ولهن جوهر لا يصلح إلا على المداراة. فمن داراهن انتفع بهن، وقرت عينه. ومن شاورهن كدرن عيشه، وتكدرت عليه حياته، وتنغصت لذاته. فأكرمهن أعفهن، وأفخر أحسابهن العفة، فإذا زلن عنها فهن أنتن من الجيفة.
---
### **مهمة الغضبان إلى ابن الأشعث:**
- **الحجاج:** يا غضبان، إني موجهك إلى ابن الأشعث وافداً، فماذا أنت قائل له؟
**الغضبان:** أصلح الله الأمير! أقول ما يرديه ويؤذيه ويضنيه!
**الحجاج:** إني أظنك لا تقوله له ما قلت، وكأني بصوتك يجلجل في قصري هذا.
**الغضبان:** كلا، أصلح الله الأمير! سأحدد له لساني، وأجريه في ميداني.
---
### **لقاء الغضبان مع ابن الأشعث:**
- عندما توجه الغضبان إلى ابن الأشعث، بعث الحجاج عيناً عليه ليراقبه. فلما قدم الغضبان على ابن الأشعث، قال له: إن الحجاج قد هم بخلعك وعزلك، فخذ حذرك، وتغد به قبل أن يتعشى بك. فأخذ ابن الأشعث حذره، ثم أمر للغضبان بجائزة سنية وخلع فاخر، فأخذها وانصرف راجعاً.
---
### **لقاء الغضبان مع الأعرابي:**
- في طريق عودته، وصل الغضبان إلى رملة كرمان في شدة الحر، فضرب قبته هناك. فجاءه أعرابي من بني بكر بن وائل يطلب المساعدة من شدة الحر والظمأ، لكن الغضبان تعامل معه بقسوة ورفض مساعدته، مما أثار غضب الأعرابي الذي انصرف وهو يلعن الغضبان ويقول:
```
لا بارك الله في قوم تسودهم
إني أظنك - والرحمن - شيطاناً
أتيت قبته أرجو ضيافته
فأظهر الشيخ ذو القرنين حرماناً
```
---
### **عودة الغضبان إلى الحجاج:**
- عندما عاد الغضبان إلى الحجاج، أخبره الجاسوس بما حدث بينه وبين ابن الأشعث والأعرابي. فهدد الحجاج بسجن الغضبان، ولكن الغضبان دافع عن نفسه بحكمة قائلاً: "الأمان أيها الأمير! فوالله ما ضرتْ من قِيلتْ فيه، ولا نفعت من قيلت له!"
فقال الحجاج: "ألم أقل لك: كأني بصوتك يجلجل في قصري هذا! اذهبوا به إلى السجن." فسُجن الغضبان.
---
### **حوار حول بناء الخضراء:**
- بعد فترة، بنى الحجاج الخضراء بواسط، فأعجب بها وسأل من حوله عن رأيهم فيها. فقالوا: "أيها الأمير، إنها حصينة مباركة، منيعة نضرة بهجة، قليل عيبها، كثير خيرها."
فقال الحجاج: "لم لم تخبروني بنصح؟" فقالوا: "لا يصفها لك إلا الغضبان."
فبعث الحجاج إلى الغضبان فأحضره، وسأله: "كيف ترى قبتي هذه وبناءها؟"
فقال الغضبان: "أصلح الله الأمير، بنيتها في غير بلدك لا لك ولا لولدك، لا تدوم لك، ولا يسكنها وارثك، ولا تبقى لك، وما أنت لها بباق!"
فقال الحجاج: "قد صدق الغضبان، ردوه إلى السجن."
---
### **خاتمة:**
- عندما أُعيد الغضبان إلى السجن، قال: "سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين."
فقال الحجاج: "انزلوه." فلما أنزلوه قال: "رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين."
فقال الحجاج: "اضربوا به الأرض." فلما ضربوا به الأرض قال: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى."
فقال الحجاج: "جروه." فأقبلوا يجرونه، وهو يقول: "بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم."
فقال الحجاج: "ويلكم! أتركوه، فقد غلبني دهاء وخبثاً."
ثم عفا الحجاج عن الغضبان، وأنعم عليه، وخلى سبيله.
---
**ملاحظة:** هذا النص يعكس الحوارات الفلسفية والسياسية في العصر الأموي، ويظهر شخصية الغضبان كشخص حكيم وذكي، بينما يظهر الحجاج كحاكم قاسٍ لكنه يعترف بالحكمة عندما يراها.
إضافة تعليق جديد