كان حاتم الأصم رجلاً صالحاً كثير العيال، قليل المال، يعيش حياة بسيطة لا يملك فيها إلا ما يسد حاجته وحاجة أسرته.

وفي إحدى الليالي جلس مع أصحابه يتحدثون عن فضل الحج وأجره العظيم، فتعلق قلبه بزيارة بيت الله الحرام، واشتاق إلى أداء هذه العبادة المباركة.

عاد إلى منزله وجمع أبناءه وأهل بيته، ثم قال لهم:

"لقد عزمت على الحج هذا العام، فما رأيكم؟"

ساد الصمت في البيت.

فالجميع يعلم ضيق الحال وقلة المال، والجميع يدرك أن سفره سيترك الأسرة في ظروف صعبة.

وبينما كان الكبار يفكرون في الفقر والحاجة، جاءت الإجابة من أصغر شخص في البيت.

كانت ابنته الصغيرة.

رفعت رأسها وقالت بثقة ويقين:

"يا أبتِ، اذهب حيث شئت، فإنك لم تكن يوماً رازقنا، وإنما الرازق هو الله."

كلمات بسيطة، لكنها كانت كافية لتزرع الطمأنينة في قلب أبيها.

فخرج حاتم الأصم حاجاً إلى بيت الله الحرام، متوكلاً على الله، تاركاً أمر رزقه ورزق أهله لخالق السموات والأرض.

ومرت الأيام، واشتدت الحاجة بأهل البيت، حتى بدأ بعض الجيران يلومون الأسرة على السماح له بالسفر في مثل هذه الظروف.

وفي أحد الأيام مر أمير البلدة مع جنوده وأصحابه بالقرب من منزل حاتم الأصم، وقد أصابهم العطش.

فطلبوا ماءً للشرب.

خرجت زوجة حاتم وقدمت لهم الماء، فشرب الأمير ثم سأل عن صاحب المنزل.

فقيل له:

"هذا بيت حاتم الأصم، وقد خرج حاجاً إلى بيت الله الحرام."

أعجب الأمير بما سمعه عن صلاح الرجل، فأراد أن يكرم أسرته.

فنزع منطقته الثمينة ووضعها في البيت، ثم قال لمن معه:

"من كان يحبني فليفعل مثلي."

فتسابق الحاضرون في تقديم العطايا والهدايا، حتى امتلأ البيت خيراً ورزقاً بعد أن كان أهله يخشون الفقر والحاجة.

وعندما رأت الابنة الصغيرة ما حدث، أخذت تبكي.

تعجب أهلها وقالوا:

"هذا يوم فرح وسعة، فلماذا تبكين؟"

فقالت كلمات خلدها التاريخ:

"إن مخلوقاً نظر إلينا نظرة واحدة فأغنانا بعد فقرنا، فكيف برب العالمين الذي لا يغفل عنا ولا ينسانا؟"

هنا يظهر جوهر القصة.

فالرزق لم يكن من الأمير، وإنما كان سبباً من الأسباب التي سخرها الله.

والفرج لم يأت من البشر، بل من الله الذي يدبر الأمور بحكمة ورحمة، ويأتي بالخير من حيث لا يحتسب الإنسان.

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾


إعداد للنشر: عبدالسلام بن أحمد ثوابة